
الميدالية البرونية الأولى (سيدني 2000)
في هذه الأيام وأنا أشاهد الألعاب الأولمبية طوكيو ٢٠٢٠ عادت بي الذكريات لعشرين عاماً مضت . تذكرت مشاركتنا الفروسية التي حققنا فيها أولى الميداليات لرياضتنا السعودية.
تذكرت رجال صنعوا تاريخ أرضنا الطيبة وهم يشاركون في التشجيع من خلال مشاهدة منافسات الفروسية في ألعاب سيدني الأولمبية ٢٠٠٠. كانوا بعيدين عن الوطن وأبعد من مركز الحدث ( ١ ) ، فخورين بأبنائهم الفرسان ، يتابعون على التلفاز أشهر فرسان المنتخب السعودي الفارس / خالد العيد على صهوة جواده " خشم العان " ( ٢ ) وهو ينافس على الميدالية الذهبية بعد تأهله مع فارسين من هولندا على المراكز الثلاثة الأولى . حصل ذلك لأول مرة بهذه الطريقة، حيث تعادل الثلاثة فرسان بدون أخطاء ، وحصل خالد العيد على أفضل زمن . كان المفروض أن ينال فارسنا الميدالية الذهبية ، لولا أن اضطر الحكام إلى تطبيق نظام قديم فرضه تعادل الفرسان الثلاثة للمنافسة على الميداليات.
كانت الفرحة كبيرة للتأهل للمراكز الأولى ، والأمل أكبر في الفوز بالميدالية الذهبية . وقد طلبت من الإخوان في الإتحاد السعودي للفروسية أن يرسلوا القمصان والقبعات التي تحمل شعار مشاركة الإتحاد السعودي للبطولة صممه الفنان السعودي ضياء عزيز ضياء ( ٣ ) إلى مدينة " كان " في فرنسا حيث كنا بمعية الملك عبدالله بن عبد العزيز عندما كان وليا ً للعهد بعد رحلته الطويلة إلى أمريكا الشمالية والجنوبية . كان شرفا للاتحاد أن يتقبل هداياه سيدي الملك عبدالله والأمراء والوزراء وبقية الوفد و هم يتابعون المنافسات مشجعين لأبنائهم الفرسان. وهنا حصلت حادثة غريبة حيث أن القمصان كانت تحمل من الخلف الثلاث ميداليات الذهبية والفضية والبرونزية ، وعندما فتحت قميصي وجدت أنه الوحيد الذي يفتقد الميدالية البرونزية ( ٤ ).
تفائلت وأحسست أننا بإذن الله سنحصل على ميدالية ، وبالفعل كانت الميدالية البرونزية التي فقدت من قميصي من نصيب الفارس السعودي / خالد العيد.
استعيد هذه الذكريات وأنا أقرأ مقال مطول منشور في الموقع الإلكتروني للإتحاد الدولي للفروسية بمناسبة مرور مائة عام على إنشائه احتفاء بفارسنا / خالد العيد وإنجازه في سيدني ٢٠٠٠ ( ٥ ) ،كما أتذكر إنجازات الفروسية السعودية وهي الوحيدة التي حققت ميداليتين أولمبيتين بإسم الوطن أولمبياد سيدني ٢٠٠٠ ،و أولمبياد لندن ٢٠١٢. كذلك تحقيق فارسنا / عبدالله الشربتلي الميدالية الفضية في الألعاب العالمية للفروسية بكنتاكي ٢٠١٠. ولاننسى أول مشاركة نسائية بإسم الرياضة السعودية وتحقيق ميدالية في أول أولمبياد للشباب في سنغافورة عام ٢٠١٠ لفارستنا / دلما ملحس. هذه الشواهد و الذكريات الجميلة يحتم علي طرحها شغفي بالرياضة و إيماني بشبابنا ، و ما أتمناه من استمرار للنجاح و التألق بالفوز بميداليات عالمية ، كذلك ما نعيشه من العصر الذهبي للرياضة السعودية بما تجده من دعم كبير وسخي من القيادة الرشيدة، والآمال الكبيرة في العناصر الشابة الواعية التي تسير دفة الحراك الرياضي. وللتأكيد أن قصص النجاح أساسها الإنسان السعودي وهو أهلاً لها إذا حسن إختيار المواهب على أعلى مستوى من ذوي الاختصاص والمعرفة، وتوجت بعوامل النجاح المتمثلة بالتأهيل والتدريب والدعم والتمكين. بالإضافة إلى الإدارة المخلصة والصادقة والمحترفة لتخطط على المدى الطويل والمتوسط والقصير ( ٦ ).
الفروسية من الرياضات التي ارتبطت جذورها بهذه الأرض، فهي تاريخ وأصالة وتراث، كما أنها قصة نجاح وتقدير مستحق عمل عليها الكثير من أبناء الوطن ومحبيه، ونالت الثقة العالمية بما قدمه أبناؤها لرياضة الفروسية العالمية. ففي الشق الرياضي تسيدت المملكة مجموعتها منذ إشهار الإتحاد السعودي للفروسية على المستوى العربي والآسيوي، وخلال سنوات لحقت بالركب العالمي وحققت النجاحات المبهرة مقارنة بعمر الإتحاد ( ٧ ) . وهنا يحضرني رد رئيس الإتحاد الدولي للفروسية السيد / إنغمار دي فوس- البلجيكي حين قلت له: أن الإتحاد السعودي محظوظ بتحقيق تلك النتائج، فرد قائلا: هذا غير صحيح، فالإتحاد البلجيكي من أعرق الاتحادات وأقدمها ولم يحقق منذ ثلاثين عاماً أي ميدالية ، وأنتم حققتم في العشر سنوات أربع ميداليات عالمية.
الفروسية ليست رياضة فحسب بل هي ثقافة وتراث، وهنا كان للصندوق السعودي للفروسية دور كبير في توصيل تلك الرسالة على أرقى مستوى عالمي، وذلك بإقامة أهم معرضين عن تاريخ الفروسية على مستوى العالم. كان الأول تزامناً مع البطولة العالمية لألعاب الفروسية ٢٠١٠م في كنتاكي بالولايات المتحدة الأمريكية في متحف الخيل الدولي بمنتزه كنتاكي للخيل. وكان الثاني والأهم في المتحف البريطاني بلندن عام ٢٠١٢م مصاحباً لدورة الألعاب الأولمبية. كذلك تقديم الإتحاد السعودي للفروسية الكتاب الموسوعي " فروسية " الذي دشن عام ٢٠٠٢م ( ٨ ) بتواجد رؤساء ومسؤولي متاحف العالم ، المتحف البريطاني، و الإرميتاج الروسي، واللوڤر الفرنسي ، والمتروبولتين الأمريكي ، كذلك متاحف النمسا وألمانيا والمتحف المصري ومتاحفنا العربية ( ٩ ) .
وهنا يجب أن أذكر دور الصندوق في مبادرته العالمية في إبراز وتطوير بطولة " كأس الأمم " التى عمرها أكثر من مائة عام ، حيث تبناها الصندوق تحت مسمى " فروسية " ، وفتح المجال بأسلوب جديد لمشاركة أكبر عدد من الدول بينما كانت محصورة على الدول الأغنى.
وفي هذا السياق كانت لصندوق الفروسية محاولة جريئة ومتطورة ليعكس رسالته من خلال تقديمه المسرحية العالمية " آخر الفرسان " في عام ٢٠١٢ م التي افتتحت بمدينة مدريد في إسبانيا تحت رعاية ملكية من ملك إسبانيا، استوحيت القصة من مخطوط الخيل لعباس باشا وعلاقته مع الإمام فيصل بن تركي ، و اختتمت بفارس التوحيد الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ موحداً للمملكة على ظهور الخيل ( ١٠ ).
هذه تجربتنا كزملاء بدأنا مع نشأة الإتحاد إلى أن حققنا الهدف، ثم عدنا مع إنشاء صندوق الفروسية السعودي وحققنا جزء من رسالته التي لم تكتمل. أملنا في الله ثم في هذه النهضة التي تعيشها بلادنا الغالية، وتماشياً مع توجهات أهداف رؤية ٢٠٣٠ ، و التنظيمات الجديدة للهيئة العليا للفروسية، أرى أن رياضتنا تستحق أكثر مما أعطيت، وأن هناك مساحة أكبر للنجاح وتحقيق الكثير من المكتسبات بناء على ميزات يتحلى بها الفارس السعودي و أثبتها حينما أعطيت له مقومات النجاح ومكن من النوعية التي تناسبه من الخيول عالية المستوى.
أملنا محبي هذه الرياضة والمؤمنين بقدرة الإنسان السعودي على تحقيق تطلعات الوطن والمواطن أن نكون قد بدأنا من الأمس لنتمكن من المشاركة التي تليق بسمعتنا وتاريخنا في أولمبياد ٢٠٢٤. وفق الله الجميع لرفع راية "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ونشهد فرساننا يعيدون مجد الفروسية السعودية.